الشنقيطي

106

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء وجعله إياه عذبا صالحا للسقيا وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) [ الواقعة : 68 - 70 ] وقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ النحل : 10 - 11 ] وقوله وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) [ الفرقان : 48 - 49 ] إلى غير ذلك من الآيات . والتحقيق أن أسقى وسقى لغتان معناهما واحد كأسر وسر والدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [ النحل : 66 ] فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي وقرأه بعضهم بفتحها من سقى الثلاثي ويدل على ذلك أيضا قول لبيد : سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال قوله تعالى : وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) [ 22 ] . فيه للعلماء وجهان من التفسير كلاهما يشهد له قرآن الأول : أن معنى وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) أي ليست خزائنه عندكم بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا وهذا الوجه تدل عليه آيات كقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) [ الحجر : 21 ] وقوله : وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ المنافقون : 7 ] الآية ونحو ذلك من الآيات ، الوجه الثاني : أن معنى وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) بعد أن أنزلناه عليكم أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون والغدران بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة ويدل لهذا الوجه قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) [ المؤمنون : 18 ] وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) [ الملك : 30 ] وقوله : أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) [ الكهف : 41 ] وقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 21 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ [ 23 ] . بين في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يحيي ويميت وأوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( 43 ) [ ق : 43 ] وقوله تعالى : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] وقوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) [ الدخان : 8 ] وبين في مواضع أخر أنه أحياهم مرتين وأماتهم مرتين كقوله :